التعريف اللغوي :

الختان بكسر الخاء اسم الفعل الخاتن ويسمى به موضع الختن أيضا (1) ومنه الحديث الشريف (إذا التقى الختانان وجب الغسل ) والأقلف من لم يختتن. والقلفة والغزلة بمعنى واحد وهي الجلدة التي تقطع والتي تغطي الحشفة عادة ، ويسمى الختان في حق الأنثى (خفضا) .وختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة وأما ختان المرأة فهي جلدة كعرف الديك فوق الفرج تعرف بالبظر ، وهو عضو انتصابي عند المرأة مثل القضيب لكنه صغير الحجم ولا يخترق قناة البول.

الختان عبر التاريخ:

تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض الأقوام القديمة قد عرفت الختان. وفي إنجيل برنابا إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان أول من اختتن وأنه فعله بعد توبته من أكل الشجرة ولعل ذريته من بعده تركوا سنته حتى أمر الله سبحانه نبيه إراهيم عليه السلام بإحيائها .وقد وجدت ألواح طينية ترجع إلى الحضارتين البابلية والسومرية [3500 ق.م]ذكرت تفاصيل عن عملية الختان(3)،كما وجدت لوحة في قبر عنخ آمون [2200 ق.م]تصف عملية الختان عند الفراعنة وتشير إلى أنهم طبقوا مرهما مخدرا على الحشفة قبل الشروع في إجرائها ، وأنهم كانوا يجرون الختان لغرض صحي.
واهتم اليهود بالختان(4)واعتبر التلمود من لم يختتن من الوثنيين الأشرار فقد جاء في سفر التثنية: (اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان أورشليم) أما في النصرانية فالأصل فيها الختان ،وتشير النصوص من إنجيل برنابا إلى أن المسيح عليه السلام قد اختتن وأنه أمر أتباعه بالختان، لكن النصارى لا يختتنون(5).
أما العرب في جاهليتهم فقد كانوا يختتنون اتباعا لسنة أبيهم إبراهيم . وقد ذكر القرطبي (6) إجماع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن ،فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كان إبراهيم أول من اختتن ، وأول من رأى الشيب وأول من قص شاربه وأول من استحد ) وقد فصل ابن القيم(7) في ختان النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال،ويرى أنها كلها تعتمد على أحاديث ضعيفة ، ،أو أنه ليس لها إسناد قائم أو أن في إسنادها عدة مجاهيل مع التناقض الكبير في متونها .فالقول الأول و هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا،فهو علاوة على ضعف إسناده،فهو يتناقض مع حديث صحيح اعتبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الختان من الفطرة،ذلك أن الابتلاء مع الصبر مما يضاعف أجر المبتلى وثوابه،و الأليق بحال النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُسلب هده الفضيلة . و القول الثاني أن الملك ختنه حين شق صدره لا يصح له اسناد مطلقا، و الأرجح القول الثالث و هو أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب و سماه محمدا و أقام له وليمة يوم سابعه.

الختان في السنة النبوية المطهرة :

دعا الإسلام إلى الختان دعوة صريحة وجعله على رأس خصال الفطرة البشرية ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الفطرة خمس : الختان والإستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط ) .
وجاءت دعوة الإسلام إلى الختان متوافقة والحنيفية _ملة إبراهيم عليه السلام _ ،فكان الختان ، كما أورد القرطبي عن عبد الله بن عباس _ من الكلمات التي ابتلى بها إبراهيمَ ربُّه بهن فأتمهن فجعله إماما للناس . كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد امتداحه لفعل إبراهيم هذا ،فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اختتن إبراهيم بعدما مرت عليه ثمانون سنة ،اختتن بالقدوم ) .رواه البخاري ومسلم ،والقدوم هو آلة صغيرة ، وقيل هو موضع بالشام .
وعن موسى بن علي اللخمي عن أبيه أنه قال أمر إبراهيم فاختتن بقدوم ، فاشتد عليه الوجع ،فأوحى الله عز وجل إليه، عجلت قبل أن نأمرك بالآلة ،قال : يا رب كرهت أن أؤخر أمرك ) أخرجه البيهقي بسند حسن .
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الختان سنة للرجال ،مكرمة للنساء ) أخرجه أحمد في سنده والبيهقي وقال : حديث ضعيف منقطع .
وعن كثيم بن كليب عن أبيه قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألق عنك شعر الكفر واختتن) أخرجه أحمد وأبو داود ،وقال السيوطي بضعفه وفي إسناده مجهولان (نيل الأوطار )، وقد أورده ابن حجر في التخليص ولم يضعفه ولكن برواية : (من أسلم فاليختتن ) .

الحكم الفقهي في الختان :

يقول ابن القيم (7) : اختلف الفقهاء في حكم الختان ، فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد : هو واجب ، وشدد مالك حتى قال:
(من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته). ونقل الكثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة حتى قال القاضي عياض : (الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة ، لكن السنة عندهم يُأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب ). وقال الحسن البصري وأبو حنيفة : (لا يجب بل هو سنة) ، ونقل عنه قوله : (قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس _الأسود والأبيض فما فتش أحدا ) .

وخلاصة القول : ذهب الشافعية وبعض المالكية بوجوب الختان للرجال والنساء .وذهب مالك وأصحابه بأنه سنة للرجال ، مستحب للنساء ، وذهب أحمد إلى أنه واجب في حق الرجال سنة للنساء ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه سنة ، لكن يأثم تاركه .. ويتابع ابن القيم (ولا يخرج الختان عن كونه واجبا أو سنة مؤكدة ، لكنه في حق الرجال آكد لغلظ القلفة ووقوعها على الإحليل فيجتمع تحتها ما بقي من البول ،ولا تتم الطهارة المطلوبة في كل وقت والواجبة في الصلاة إلا بإزالتها ) .
ويقول النووي (8) : (ويجب الختان لقوله تعالى : ( أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ولو أنه لم يكن واجبا لما كشفت له العورة ،لأن كشف العورة محرم ، فلما كشفت له العورة دل على وجوبه) .
ويعد ابن القيم المواضع التي يسقط فيها وجوب الختان : منها ( أن يولد الرجل ولا قلفة له ، وضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من التلف ، وأن يسلم الرجل كبيرا ويخشى على نفسه منه ، والموت فلا ينبغي ختان الميت باتفاق الأمة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الرجل يوم القيامة يبعث بغرلته غير مختون فليس ثمة فائدة من ختنه عند الموت ) .
وهنا يأتي دور الطب إذ يحدد أمراضا يحدد تمنع حاملها من أن يعمد إلى ختانه . منها إصابة الطفل بالتهاب الكبد الإنتاني (اليرقان) أو إذا أصابته بأحد الأمراض النزفية كالناعور أو نقص الفيتامين ك ، أو عندما يكون مصابا بأحد الأمراض المنتقلة بالجنس كالإفرنجي والإيدز ، ففي هذه الحالات يجب معالجة المولود حتى يتم شفاؤه أو إعداده بشكل يكفل سلامته قبل إجراء الختان .
وقد اتفق الجمهور على عدم ثبوت وقت معين للختان ، لكن من أوجبه من الفقهاء جعلوا البلوغ (وقت الوجوب) لأنه سن التكليف،لكن يستحب للولي أن يختن الصغير لأنه أرفق به.و قال النووي باستحباب الختان لسابع يوم من ولادته لما روي عن جابر رضي الله عنهما قال: ( عق رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الحسن و الحسين رضي الله عنهما و ختنهما لسبعة أيام)و إلا أن يكون ضعيفا لا يحتمله ، فيؤخره حتى يحتمله و يبقى الأمر على الندب إلى قبيل البلوغ،فإن لم يختتن حتى بلوغه وجب في حقه حينئذ. وفي هذا يقول ابن القيم(7) : ( وعندي يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونا فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به ). وقال النووي (8) : (وأما الرجل الكبير يسلم فالختان واجب على الفور إلا أن يكون ضعيفا لا يحتمله بحيث لو ختن خيف عليه فينتظر حتى يغلب الظن على سلامته ) .
يقول د.محمد علي البار (5 ) أن الأبحاث الطبية أثبتت فائدة الختان العظمى في الطفولة المبكرة ابتداءً من يوم ولادته وحتى الأربعين يوماً من عمره على الأكثر ، وكلما تأخر الختان بعدها كثرت الإلتهابات في القلفة والحشفة والمجاري البولية .
وفي حكمة الختان يقول ابن القيم (7) : (فشرع الله للحنفاء صيغة الحنيفية وجعل ميسمها الختان .. هذا عدا ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات ، فالختان يعدلها ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع . والحكمة التي ذكرناها في الختان تعم الذكر والأنثى وإن كانت في الذكر أبين والله أعلم ) .
وأما في بيان القدر الذي يؤخذ في الختان فقد ذكر النووي (8) أن الواجب في ختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة كلها فإن قطع بعضها وجب قطع الباقي ثانيا . ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير ولا يبالغ في القطع .

الختان ينتصر :

في عام 1990 كتب البروفسور ويزويل (18) : (لقد كنت من أشد أعداء الختان وشاركت في الجهود التي بذلت عام 1975 ضد إجرائه ، إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات الطبية زيادة في نسبة حدوث إلتهابات المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين ، وبعد تمحيص دقيق للأبحاث التي نشرت ، فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة وأصبحت من أنصار جعل الختان أمرا روتينيا يجب أن يجرى لكل مولود ) نعم لقد عادت الفطرة البشرية لتثبت من جديد أنها الفطرة التي لا تتغير على مدى العصور ، وأن دعوة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى سيدنا محمد ليتحلى المؤمن ويتخلق بخصال الفطرة هي دعوة حق إلى سعادة البشر جميعا .

الحكم الصحية من ختان الذكور :

أثبتت دراسات طبية حديثة أن أمراضا عديدة في الجهاز التناسلي بعضها مهلك للإنسان تشاهد بكثرة عند غير المختونين بينما هي نادرة أو معدومة عند المختونين (1) .

1 _الختان وقاية من الإلتهابات الموضعية في القضيب : فالقلفة التي تحيط برأس بالقضيب تشكل جوفا ذو فتحة ضيقة يصعب تنظيفها إذ تتجمع فيه مفرزات القضيب المختلفة بما فيها ما يفرزه سطح القلفة الداخلي من بيضاء ثخينة تدعى (اللخن smegma) وبقايا البول والخلايا المتوسفة والتي تساعد على نمو الجراثيم المختلفة مؤدية إلى التهاب الحشفة والقلفة الحاد أو المزمن والتي يصبح معها الختان أمرا علاجياً لا مفر منه (5)وقد تؤدي إلى التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين .
وتؤكد دراسة د.شوين(9) أن ختان الوليد يسهل نظافة الأعضاء الجنسية ويمنع تجمع الجراثيم تحت القلفة في فترة الطفولة، وأكد د.فرغسون (4) أن الأطفال غير المختونين هم أكثر عرضة للإصابة بالتهاب الحشفة وتضيق القلفة phemosis من المختونين .

2_الختان يقي الأطفال من الإصابة بالتهاب المجاري البولية :وجد جنزبرغ (4) أن 95% من التهابات المجاري البولية عند الأطفال تحدث عند غير المختونين .ويؤكد أن جعل الختان أمراُ روتينياُ يجري لكل مولود في الولايات المتحدة منع من حدوث أكثر من خمسين ألف حالة من التهاب الحويضة والكلية سنوياُ عن الأطفال . وتؤكد مصادر د.محمد علي البار (5) الخطورة البالغة لالتهاب المجاري البولية عند الأطفال وأنها تؤدي في 35% إلى تجرثم الدم وقد تؤدي إلى التهاب السحايا والفشل الكلوي .

3_الختان والأمراض الجنسية :أكد البروفسور وليم بيكرز (10) الذي عمل في البلاد العربية لأكثر من عشرين عاماُ ،وفحص أكثر من 30 ألف امرأة ، ندرة الأمراض الجنسية عندهن وخاصة العقبول التناسلي والسيلان والكلاميديا والتريكوموناز وسرطان عنق الرحم . ويرجع ذلك إلى سببين هامين : ندرة الزنى وختان الرجل . ويرى آريا وزملاؤه (5) أن للختان دوراً وقائياُ هاماُ من الإصابة بكثير من الأمراض الجنسية وخاصة العقبول والثآليل التناسلية ، كما أن عدد فنك (11)fink أكثر من 60 دراسة علمية أثبتت كلها ازدياد حدوث الأمراض الجنسية عند غير المختونين .
وأورد د.ماركس . marks .j(4) خلاصة ثلاث دراسات تثبت انخفاض نسبة مرض الإيدز عند المختونين ،في حين وجد سيمونسن وزملاؤه أن احتمال الإصابة بالإيدز بعد التعرض لفيروساته عند غير المختونين هي تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين . أليس هذا بالأمر العجيب(4) ؟ حتى أولئك الذين يجرؤون على معصية الله يجدون في التزامهم بخصلة من خصال الفطرة إمكانية أن تدفع عنهم ويلات هذا الداء الخبيث ، لكن لا ننكر أن الوقاية من الإيدز تكون بالعفة التامة والامتناع عن الزنى.

من كتاب روائع الطب الإسلامي
للدكتور محمد نزار الدقر
وتم نشرها بعد موافقة المؤلف